الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
339
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يسير بها النعمان تغلي قدوره وجملة خُذُوهُ إلخ مقول لقول محذوف دلّ عليه السياق ، أي يقال لملائكة العذاب : خذوه ، والضمير المفرد عائد إلى الأثيم باعتبار آحاد جنسه . والعتل : القود بعنف وهو أن يؤخذ بتلبيب أحد فيقاد إلى سجن أو عذاب ، وماضيه جاء بضم العين وكسرها . وقرأه بالضم نافع وابن كثير وابن عامر . وقرأه الباقون بكسر التاء . وسواء الشيء : وسطه وهو أشد المكان حرارة . وقوله : إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ يتنازعه في التعلق كلّ من فعلي خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ لتضمنهما : سوقوه سوقا عنيفا . و ثُمَّ للتراخي الرتبي لأن صب الحميم على رأسه أشد عليه من أخذه وعتله . والصبّ : إفراغ الشيء المظروف من الظرف وفعل الصّبّ لا يتعدى إلى العذاب لأن العذاب أمر معنوي لا يصب . فالصب مستعار للتقوية والإسراع فهو تمثيلية اقتضاها ترويع الأثيم حين سمعها ، فلما كان المحكي هنا القول الذي يسمعه الأثيم صيغ بطريقة التمثيلية تهويلا ، بخلاف قوله : يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [ الحج : 19 ] الذي هو إخبار عنهم في زمن هم غير سامعيه فلم يؤت بمثل هذه الاستعارة إذ لا مقتضى لها . وجملة ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ مقول قول آخر محذوف تقديره : قولوا له أو يقال له . والذوق مستعار للإحساس وصيغة الأمر مستعملة في الإهانة . وقوله : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ خبر مستعمل في التهكم بعلاقة الضدّية . والمقصود عكس مدلوله ، أي أنت الذليل المهان ، والتأكيد للمعنى التهكمي . وقرأه الجمهور بكسر همزة إِنَّكَ . وقرأه الكسائي بفتحها على تقدير لام التعليل وضمير المخاطب المنفصل في قوله : أَنْتَ تأكيد للضمير المتصل في إِنَّكَ ولا يؤكد ضمير النصب المتصل إلا بضمير رفع منفصل . وجملة إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ بقية القول المحذوف ، أي ويقال للآثمين جميعا : إن هذا ما كنتم به تمترون في الدنيا . والخبر مستعمل في التنديم والتوبيخ واسم